فخر الدين الرازي
13
الأربعين في أصول الدين
الكتاب ، فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متفقا على تأويله ، كما يكون متفقا على تنزيله ، ولا يكون بين جميع النصارى واليهود اختلاف في شيء من التأويلات . وينبغي لك ألا ترجع الا إلى لغة ، لا اختلاف في تأويل ألفاظها . ولو شاء اللّه أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير ، لفعل . ولكنا لم نر شيئا من الدين والدنيا ، دفع إلينا على الكفاية . ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة ، وذهبت المسابقة والمنافسة ، ولم يكن تفاضل . وليس على هذا بنى اللّه الدنيا . فقال النصراني : أشهد أن اللّه واحد . لا ند له ولا ولد ، وأن المسيح عبده ، وأن محمدا صادق ، وأنك أمير المؤمنين حقا » . ا ه هذا شيء ذكرته كدليل على نظرة غير المسلمين إلى دين الاسلام . وفي زمان المأمون أمير المؤمنين ظهرت جماعة في المسلمين تقول : ان القرآن كان مع اللّه في الأزل وانه لقديم قدم اللّه . إذ هو كلامه . وظهرت جماعة تقول : انه مخلوق محدث . ولو كان خلافهم كالخلاف في « القرء » هل هو الحيض أو الطهر ، لكان خلافا هينا بسيطا ، كما قال المأمون أمير المؤمنين رضى اللّه عنه للنصراني المرتد . وانما كان خلافهم ضد معاني آيات محكمات في القرآن هي في نظره واضحة الدلالة على المعنى المراد في نظر العامي والعالم . فلذلك عد القائلين يقدمه في عداد المشاغبين والمرجفين في المدينة . « واحتج عليهم « 1 » : بقوله تعالى : إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا « وكل ما جعله اللّه فقد خلقه . » وقال : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ
--> ( 1 ) خطابا المأمون إلى إسحاق ابن إبراهيم الّذي رواهما الطبري ، فيهما مجموع حجج المأمون على المعتزلة في خلق القرآن . وقد نقلنا من كتاب الجدل للشيخ محمد أبو زهرة رحمة اللّه .